اسماعيل بن محمد القونوي
521
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( على أن المراد به ما يعم الثقلين وفيه تعسف ) أي ميل وعدول عن الصراط السوي وأنه من جعل قسيم الشيء قسما له إذ الناس مقابل للجن في عموم المواضع وأن كلا منهما حقيقة مباينة للأخرى حتى قالوا سمي جنا لتستره عن أعين الناس وسمي الإنسان إنسانا لظهوره في البصر . قوله : ( إلا أن يراد به الناسي كقوله : يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [ القمر : 6 ] فإن نسيان حق اللّه يعم الثقلين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قرأ سورة المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها اللّه تعالى والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسّلام على محمد وآله وصحبه أجمعين ) الناسي من النسيان لا الناس المعهودون وحذف الياء اكتفاء بالكسر كقوله : يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [ القمر : 6 ] أصله الداعي الداعي فيكون الناسي مفهوما كليا منقسما إلى الجن والإنس بلا ريب كما قال فإن نسيان حق اللّه يعم الثقلين ثم قيل إن حروف عدد هذه السورة غير المكرر اثنان وعشرون حرفا وكذا حروف الفاتحة بعدد السنين التي نزل فيها القرآن كما قيل إن أول الحروف منه باء وآخره سين فكأنه قيل بس لأنه أي القرآن كاف عن كل ما سواه إشارة إلى قوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] الآية ولك أن تقول إنه إشارة إلى قوله تعالى : تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] وهذا الكلام إجمال ما في الحاشية السعدية لكنه ليس في موقع الحسن كما لا يخفى على المتأمل ومن محسنات البديع أن هذه السورة الكريمة فيه رد العجز على الصدر والجمع بين المتماثلين والجمع بين المتقابلين واشتمال التوحيد مع دليله مع غاية الإيجاز والزجر عن متابعة عدو لنا ولا بينا وهو أول الأعداء وفي ختم القرآن بالتنبيه على عداوته لطف لا يخفى . الحمد للّه الذي أحسن إلينا بالهداية على إتمام ما يتعلق بسورة الناس . والصلاة والسّلام على من أرسل إلى كافة الناس . وعلى آله وأصحابه الذين اقتدوا بأثرهم جميع الناس . إلهي أنا عبدك الضعيف الفقير . ابن عبدك المحتاج الحقير . جئنا باب رحمتك ولطفك على جبين الاستكانة قوله : وفيه تعسف وجه التعسف أن جعل الناس اسما للجنس الذي يندرج فيه الجن والإنس بعيد من اللغة . قوله : إلا أن يراد به الناسي وفي الكشاف وأجود منه أن يراد بالناس الناسي أي وأجود من هذا الوجه المتعسف لا يريد به أن الأول وجه فيه جودة لكن الثاني أجود منه فوجه صيغة التفضيل الحمل على الزيادة المطلقة أو يكون من باب العسل أحلى من الخل والصيف أحر من الشتاء تمت السورة حامدا للّه ومصليا على رسوله محمد وآله أجمعين هذا آخر ما أمليته في حل الكتاب ومعاني القرآن لا آخر لها الحمد للّه الموفق بفضله قد وقع الفراغ بتوفيق اللّه وتيسيره من تأليف الحواشي التي أمليتها مستعينا باللّه ومتوكلا عليه في حل ما في التفسير المنسوب إلى العالم النحرير المعروف بالقاضي البيضاوي تغمده اللّه بغفرانه وأسكنه بحابيح جنانه حامدا للّه ومصليا على نبيه في اليوم السابع والعشرين يوم الخميس من شهر الربيع الآخر عمت ميامنه من شهور عام ثمانين وثمانمائة والحمد للّه أولا وآخرا .